القرطبي

20

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

يستطيعون في الدنيا أن يسمعوا سمعا ينتفعون به ، ولا أن يبصروا إبصار مهتد . قال الفراء : ما كانوا يستطيعون السمع ، لأن الله أضلهم في اللوح المحفوظ . وقال الزجاج : لبغضهم النبي صلى الله عليه وسلم وعداوتهم له لا يستطيعون أن يسمعوا منه ولا يفقهوا ( 1 ) عنه . قال النحاس : وهذا معروف في كلام العرب ، يقال : فلان لا يستطيع أن ينظر إلى فلان إذا كان ذلك ثقيلا عليه . قوله تعالى : أولئك الذين خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون ( 21 ) لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون ( 22 ) قوله تعالى : ( أولئك الذين خسروا أنفسهم ) ابتداء وخبر . ( وضل عنهم ما كانوا يفترون ) أي ضاع عنهم افتراؤهم وتلف . قوله تعالى : ( لاجرم ) للعلماء فيها أقوال ، فقال الخليل وسيبويه : " لا جرم " بمعنى حق ، ف " لا " و " جرم " عندهما كلمة واحدة ، و " أن " عندهما في موضع رفع ، وهذا قول الفراء ومحمد بن يزيد ، حكاه النحاس . قال المهدوي : وعن الخليل أيضا أن معناها لابد ولا محالة ، وهو قول الفراء أيضا ، ذكره الثعلبي . وقال الزجاج : " لا " ها هنا نفي وهو رد لقولهم : إن الأصنام تنفعهم ، كأن المعنى لا ينفعهم ذلك ، وجرم بمعنى كسب ، أي كسب ذلك الفعل لهم الخسران ، وفاعل كسب مضمر ، و " أن " منصوبة بجرم ، كما تقول كسب جفاؤك زيدا غضبه عليك ، وقال الشاعر : نصبنا رأسه في جذع نخل ( 2 ) * بما جرمت يداه وما اعتدينا أي بما كسبت . وقال الكسائي : معنى " لا جرم " لا صد ولا منع عن أنهم . وقيل : المعنى لا قطع قاطع ، فحذف الفاعل حين كثر استعماله ، والجرم القطع ، وقد جرم النخل واجترمه أي صرمه فهو جارم ، وقوم وجرم وجرام وهذا زمن الجرام والجرام ، وجرمت صوف الشاة أي جززته ، وقد جرمت منه أي أخذت منه ، مثل جلمت الشئ جلما أي قطعت ،

--> ( 1 ) في ع : يفهموا . ( 2 ) في ع وو وى : في رأس جذع .